(7 )
كان السبت الأول من شهر سبتمبر يوما حارا كأيام أغسطس. وصلت المعهد في الحادية عشر صباحا تقريبا لاقدم اوراقي للقبول بالمعهد.
لم أكن أملك صورا شخصية بالمقاس المطلوب فما كان منى إلا أن أخذت صورا بحجم أكبر للاستوديو الوحيد في طريقى الذي لم يكن مغلقا وقلت لصاحبه العجوز الذي كان شاردا يتأمل ميدان رمسيس المزدحم بالمارة: قص لى هذه الصور مقاس 4 في 6.
في المعهد وقفت أمام صف الشبابيك القديمة التى تم طمسها منذ عدة سنوات واستبدالها بصف آخر على الحائط المقابل. تأملت موظفة شئون الطلبة شهادة تخرجى باهتمام يغلب عليه الدهشة ثم قالت : خريجة هندسة!!رددت بالإيجاب فما كان منها إلا ان نادت زميلاتها المتراصات أمام صف النوافذ قائلة : الحقوا.. خريجة هندسة ! توجهت نحوى جميع العيون تتأملننى وكأنى كائن فضائي . ثم سألتنى إحداهن: لأي الأقسام ستتقدمين؟ فاجبت: سيناريو، فعلت وجوههن جميعا علامات الارتياح وقالت إحداهن : مثل د.القليوبي هو أيضا خريج هندسة.
لم أكن سمعت من قبل عن د.القليوبي رحمه الله ولكن قلبي اطمأن لوجود مهندس له علاقة ما لا اعلمها بعد بقسم السيناريو.
بعد سنوات عديدة من هذا اليوم قالت لى نفس الموظفة التى تسلمت منى ملف التقديم بعدما صارت رئيسة شئون الطلاب بالمعهد أنها راهنت زميلاتها جميعا أننى سأصبح أستاذة بالمعهد يوما ما .
انتحيت جانبا كى املأ بياناتى في ملف التقديم . كنت أريد الانتهاء سريعا من الأمر والعودة إلى بلدتى قبل العصر.
اقترب منى شخص غريب وأخذ يتأملنى ثم تجرأ وسألنى : لأي قسم ستتقدمين ؟ أجبته دون أن ارفع عينى عن الملف: سيناريو .
لم أكن بالشخصية التى تجفل من الغرباء لكن شيئا ما نفرنى من هذا الشخص . مع ذلك أصر ذلك الشخص على تقديم نفسه وعرض خدماته: انا فلان الفلاني خريج قسم الإخراج وبامكانى ان اساعدك في الالتحاق بالمعهد. رفعت عينى بضيق شديد وقلت له: لا أحتاج إلى مساعدة وعدت لما أفعله. سألنى بتحد: هل تعرفين كيف تحللين فيلما؟
كان سؤالا منطقيا من قبله لكن رد فعلى ساعتها كان أغرب من أن يحكمه منطق حيث رفعت حاجبي مستنكرة: انا خريجة هندسة!! فرد على بسخرية : وماعلاقة الهندسة بتحليل الافلام ؟!
تأففت من إلحاحه وسألته: وماذا تريد؟ فقال: يمكنك أن تأخذي رقم هاتفي وان احتجت أن اشرح لك فأنا في الخدمة.
كنت أريد أن أتخلص منه بأي طريقة ومن ثم أخذت رقم هاتفه وانا أعلم جيدا أننى لن اتصل به ثم اتجهت الى الشباك وسلمت الملف إلى الموظفة التى رفعت إلى عينين متسائلتين بعدما فحصت الملف : هذه أصول! !! نحن لانحتاج الى اصول.. يكفينا صور . تلفت حولى بحيرة ثم قلت: اعتبريها صور .
خرجت وفي يدى رقم الجلوس .. كنت قد كففت منذ زمن بعيد عن استخراج أرقام الجلوس أثناء دراستى بالكلية وكنت اكتفي بإيصال سداد المصروفات . لكن رقم الجلوس هذا كان به شئ عجيب. كان بلا صورة!! .. مجرد ورقة كرتون خضراء عليها الاسم والرقم واسم القسم والمعهد!
في الشارع امام المعهد كان باعة الملازم الدراسية الخاصة باختبارات القبول يفترشون الرصيف. اقتربت من احدهم واشتريت كل مايعرض من ملازم لجميع الأقسام !
كانت المعلومات التى تحويها الملازم شديدة السذاجة بالنسبة لى .. عجائب الدنيا السبعة وقصص حياة السينمائيين وتاريخ اشهر الاستوديوهات السينمائية !
ماهذا الهراء! ؟ أهذا ماسيختبروننى فيه؟ إن أغلب هذه المعلومات اعرفها منذ الطفولة كجزء من ثقافتى العامة فكيف تكون معيارا للحكم على كونى أصلح كاتبة أم لا!؟
حشرت الملازم في حقيبتي وشردت بعيدا أتأمل الطريق الزراعى المتجه إلى بلدتى وانا أسأل نفسي ماذا أريد من وراء هذه المغامرة؟
الثلاثاء، 14 مارس 2017
(7)
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق