"ماذا حدث للمصريين؟" كتاب شهير للدكتور جلال أمين يحاول فيه رصد التغييرات التي حدثت لشخصية المواطن المصري بعد قيام ثورة 52
عند قراءتي لهذا الكتاب منذ عدة سنوات استمتعت كثيرا وأنا أتلمس تلك السمات الخالدة في شخصية المصري والتي رصدها من قبل د.جمال حمدان أثناء دراسته لشخصية مصر وتأثير شخصية المكان على المواطن الذي يعيش فيه والتي رصدتها أيضا د.عزة عزت في كتابها "التحولات في الشخصية المصرية".. كل هذه ...الكتب رصدت بعضا من السمات الخالدة منذ عهد الفراعنة في الشخصية المصرية مثل كراهية الهجرة وتقديس الحاكم ..وغيرها من السمات التي ربما نعلمها جميعا.. ورصدت أيضا بعضا من التغييرات التي حدثت للشخصية المصرية على مر هذه السنوات عبر حالة الحراك الاجتماعي والسياسي التي كانت مصر مسرحا خصبا لها
لكن رغم كل هذه الكتب وكل هؤلاء المفكرين فإنني أزعم أن هناك تغييرات أكثر خطورة حدثت ومازالت تحدث ونحن غافلون عنها بركضنا وراء لقمة العيش
دعوني أحكي لكم قصتين كنت شاهدة عليهما.. الأولى حدثت في أمريكا حيث قضيت أجازة صيفية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بعام.. مازلت أذكر هذا اليوم البعيد..كنت أتطلع من النافذة ولاحظت كهلا عجوزا نائما بلا حراك في سيارته.. كان الوقت صباحا ولايستدعي الأمر النوم في السيارة.. شككت للحظة بأنه ميت.. لكني طردت الفكرة واستبعدتها.. ناديت شقيقي وأطلعته على الأمر فقال لي لعله نائم.. مر النهار ولاحظت بعد أكثر من 5 ساعات ظهور رجال الشرطة في المنطقة واختفاء الرجل وسيارته.. وأدرك أخي حين رويت له أن الرجل كان بالفعل ميتا كما توقعت أنا.. لم أستطع منع نفسي من البكاء على هذا الرجل الوحيد الذي مات على قارعة الطريق دون ان يعيره أحد أي اهتمام لساعات طوال وقلت هذا لايمكن أن يحدث في مصر.. في بلدي دفء وحمية وأناس يحبون الجار كالأخ.
الحادثة الثانية كانت بعدها بسنوات وحدثت في أحد شوارع القاهرة الرئيسية.. كان الوقت ليلا وكنت أسير مع صديقتي في الشارع أمام أحد فروع محلات الوجبات الجاهزة الشهيرة.. ولاحظت أثناء سيري أن هناك شخصا نائما مستعرضا الرصيف أمام المطعم بلا حراك رغم كل الضجيج الذي يحيط به!.. تأملته وقلت لصديقتي هذا الرجل مغشي عليه فقالت لي لا بل هو يمثل.. ولكني أصررت على استطلاع الأمر خاصة لأن الرجل يبدو وكأنه على هذا الوضع منذ فترة ليست بالقصيرة دون أن يعبأ به أحد.. تذكرت في هذه اللحظة مشهدا قاسيا من فيلم أمريكي شهير هو "Mid night Cowboy" حيث يلاحظ بطل الفيلم القادم من الوسط الغربي الأمريكي المعادل للريف عندنا باستغراب وجود شخص مستلق على الرصيف والناس تسير وتعبر فوقه دون اهتمام .. ولأني أرفض أن نكون كالأمريكان أصررت على الانحناء على الرجل مما شجع آخرين أن يقتربوا ويفعلوا مثلنا وقام الرجال ممن اقتربوا برفع الرجل الذي بدت عيناه زائغتين وبدأنا جميعا بالاتصال بالإسعاف ووقفت بنفسي ألوح كالمجنونة لسيارة الإسعاف المارة في الاتجاه المعاكس كي تعرف مكان وجودنا وأسرعت صديقتي نحو ثنائي شاب مار واخذت من الفتي علبة مشروب وقدمتها للشاب المريض الذي ظل ينظر لي ولصديقتي بعرفان شديد حتى ركب سيارة الإسعاف وكأنه يعلم أننا نحن فقط من توقفنا والآخرين توقفوا لأننا توقفنا
أعلم أنني قد أطلت.. لكن عند دراسة المثال المذكور ستعلمون أننا نتجه وبشكل سريع لأن نتغير ونفقد أفضل مافينا كمصريين.. أن نشعر بأن هناك آخر سوانا يستحق أن نتوقف عنده ونساعده
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق