الأربعاء، 15 فبراير 2012

مركب المومياء.. وأغنية الخلود!

يختلف الإنسان عن غيره من المخلوقات بشغفه الشديد بالخلود والبقاء إلى أبد الآبدين، فلم نسمع يوما عن حيوان يحاول تخليد بقائه على الأرض سواء بمحاولة الحرص الأكيد على الحياة وعدم التعرض لأية مخاطر!، أو باللجوء إلى طريقة معينة من الموت، تضمن له التكلس أو التجمد بشكل معين، حتى يخلد كآية مرئية في أعين بقية المخلوقات التي ستأتي من بعده.
أما الإنسان فبعدما يأس من أن يخلد بشخصه، فإنه عمد إلى محاولة تخليد جسده ورفاته، وهذا بالضبط مادفع المصريين القدماء لابتكار فن التحنيط، ولكن.. ولأن الإنسان مجبول بطبيعته على الأنانية والاستئثار بالميزات، فقد اقتصر التحنيط والخلود بالجسد على الملوك والملكات، واقتصرت معرفته على كهنة المعابد المصرية المقدسة، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى اندثار تقنيات التحنيط وتحولها إلى لغز، لم يستطع العلم الحديث فك رموزه حتى الآن .
ومن مبدأ التحنيط ومركب المومياء وفكرة الخلد كانت جذور الذكرى الخالدة... فالإنسان بعدما فقد وسيلته للخلود بجسده، لجأ لمحاولة تخليد ذكراه بطرق أخرى جديدة.. ومن ضمن هذه الطرق كانت الطريقة التي تمنى بها حبيبي الأول أن اخلد بها ذكراه!
عندما حادثني حبيبي.. الأول منذ بضعة أيام، سألني سؤالا غريبا، ربما كان هو سبب المكالمة برمتها، سألني أن أرسل له القصة أو الرواية التي قلت له أنني سأكتبها عنه منذ أربع سنوات مضت.
للحق .. أصابتني دهشة عارمة، فكيف لطبيب مرموق شهير ومصنف عالميا في جراحة المناظير ومخترع لأدوات جراحية مسجلة باسمه أن يعبأ بقصة قصيرة أو رواية تدور حول شخصه!!
وللحق أيضا.. أنا لم أكن حينها قد كتبت عنه سوى مقالتين (الآن صاروا أربعة)، هما بالتحديد أول ماكتبته على هذه المدونة، فأنا بعد صدمتى التراجيدية في شخصه، صرفت النظر عن محاولة الكتابة عنه، وانشغلت بأمور أخرى في حياتي. ولكن يبدو أن حواراتنا عن هذه القصة لم تفارق ذاكرته، حيث قلت له يوما "من يدري ربما حولوا القصة فيلما.. من تريد للقيام بدورك؟ أنا أقترح أحمد عز" ، فرد علي بمنتهى الغرور والغطرسة الطبية "آه لطيف"، فقلت له بسخرية "لطيف فقط.. إنه لطيف جدا.. لطيف بشدة.. لطيف بعنف"، فما كان منه إلا أن ضحك، وقد أدرك ما أقصد من شدة وسامة أحمد عز...، لا أدري إن كان قد فهم حينها أنني أسخر من المقارنة التي لن تكون أبدا في صالحه!
عندما سألني عن القصة، أسقط في يدي، فلقد نسيت الأمر برمته، وخاصة أن الفكرة الرومانسية التي كنت أريد كتابة روايتي حولها، حول هذين الطفلين العاشقين اللذين فرقتهما الأيام، ثم اجتمعا بالصدفة البحتة، لأنه لم ينس عينيها يوما، واللذان سيفترقان مرة أخرى ولكن هذه المرة بقرار من الفتاة، حتى لاتصبح ابنة العاشق نسخة أخرى منها، فتاة تبحث عن الحب لأنها فقدت حب أبيها...، كانت هذه هي النسخة الرومانسية في خيالي من القصة، فلما صدمتني الحقيقة المرة، وألقت بالحمض الكاوي على وجهي البرئ، قررت عدم الكتابة من الأساس؛ لأن قبح ما آل إليه حاله يحرمني من أجمل مافي القصة.. من الرومانسية.
وبناء عليه لم أكتب شيئا.. لكن لأنني لاأحب أن أجرح أي إنسان، ادعيت كاذبة أنها لم تكتمل بعد، وأن عليه أن ينتظر حتى اكتمالها ونشرها، ولكنه أخذ يلح ويقول "بالتأكيد كتبتِ بعض الخطوط الرئيسية.. أرجوكِ أرسليها لي"!!!
يا ألطاف الله ماهذه الرغبة الغريبة في أن يطلع على الصورة التي ربما سيخلد بها على الورق، ألا يدرك أنها ربما كانت صورة شائهة بل هي بالتأكيد على هذا النحو من القبح وأكثر!!
تذكرت حينها أسطورة مدينية تقول بأن بطل رواية "أنف وثلاث عيون" للأديب إحسان عبد القدوس د.هاشم هو نفسه الجراح الشهير د.هاشم فؤاد عميد كلية طب القصر العيني الأسبق ورئيس مجلس إدارة النادي الأهلي الأسبق، وتذكرت أيضا الدعوى القضائية التي رفعها الطبيب الأشهر على الأديب وكأنه يقول لمن لايعرف "إعرف".
وتذكرت أيضا صديقة قديمة لي من عهد الدراسة بالكلية اقترضت مني حينها الرواية الضخمة وقرأتها، ثم اتصلت بي وهي تبكي وطلبت مني أغرب طلب في الدنيا، طلبت مني أن أبحث عن رقم د.هاشم فؤاد لتسأله بعد مرور كل هذه السنوات سؤالا واحدا "لماذا لم تتزوج ميتو؟!"
عجيب حقا أمر هؤلاء البشر.. الخالدون منهم.. والذين يطالعون هذا الخلود!!!
Enter your email address:


Delivered by FeedBurner

هناك تعليقان (2):

  1. في الآونة الأخيرة أجدني عازفة عن الكتابة(هي حالة مستعصية تأتي لوحدها وتحتاج إلى قراءة شيء جميل لكي تغادر)،فكلماتك في الفيس بوك،وبوحك هنا يأخذان ذلك الصديق الكئيب إلى بيته ويحلان وثاق أناملي لتبدي أعجاب صاحبتهم بهذه الكلمات التي أرجو أن لا تتوقف.

    شكراً لكِ على ما دخل قلبي بلا تكلف وأخرج ما فيه بلا تكلف.

    ردحذف
  2. بل شكرا لك على كلماتك الرقيقة.. يعلم الله كم تهون علي تفاصيل يومي البائسة.. كم يسعدني أن تلهمك كلماتي وتحل وثاق أناملك، فانا أيضا أعاني أحيانا من هذا الداء، وللأسف لا أجد له دواء.. من يدري ربما عاون كل منا الآخر على الصمود.. وعلى الكتابة أيضا..

    ردحذف